الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 11 ]

الكلام في الشعر

فصل

في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه

الرد على من ذم الشعر

9- لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور :

أحدها : أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل أو سخف وهجاء وسب وكذب وباطل على الجملة.

والثاني : أن يذمه لأنه موزون مقفى ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي الزهد فيه والتنزه عنه.

والثالث : أن يتعلق بأحوال الشعراء وأنها غير جميلة في الأكثر ويقول : قد ذموا في التنزيل .

وأي كان من هذه رأيا له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر وغلط فاحش، وعلى خلاف ما يوجبه القياس والنظر، وبالضد مما جاء به الأثر، وصح به الخبر.

10- أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل وسخف وكذب وباطل، فينبغي أن يذم الكلام كله، وأن يفضل الخرس على النطق والعي على البيان.

فمنثور كلام الناس على كل حال أكثر من منظومه . والذي زعم أنه ذم الشعر من أجله وعاداه بسببه فيه أكثر ، [ ص: 12 ] لأن الشعراء في كل عصر وزمان معدودون، والعامة ومن لا يقول الشعر من الخاصة عديد الرمل . ونحن نعلم أن لو كان منثور الكلام يجمع كما يجمع المنظوم ثم عمد عامد فجمع ما قيل من جنس الهزل والسخف نثرا في عصر واحد لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة ولغمره حتى لا يظهر فيه.

ثم إنك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قط، ولم تحفظ إلا الجد المحض، وإلا ما لا معاب عليك في روايته، وفي المحاضرة به، وفي نسخه وتدوينه لكان في ذلك غنى ومندوحة ولوجدت طلبتك ونلت مرادك وحصل لك ما نحن ندعوك إليه من علم الفصاحة . فاختر لنفسك ودع ما تكره إلى ما تحب.

11- هذا وراوي الشعر حاك، وليس على الحاكي عيب، ولا عليه تبعة، إذا هو لم يقصد بحكايته أن ينصر باطلا، أو يسوء مسلما، وقد حكى الله تعالى كلام الكفار . فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر ومن أجله أريد، وله دون تعلم أنك قد زغت عن المنهج وأنك مسيء في هذه العداوة وهو العصبية منك على الشعر . وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يعبهم ذلك، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله .

[ ص: 13 ]

الحسن البصري وتمثله بالشعر

قالوا : وكان الحسن البصري رحمه الله يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، وكان من أوجعها عنده :


اليوم عندك دلها وحديثها وغدا لغيرك كفها والمعصم



تمثل عمر بن الخطاب بشعر

13- وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - ذكره المرزباني في كتابه بإسناد ، عن عبد الملك بن عمير أنه قال : أتي عمر رضوان الله عليه بحلل من اليمن فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ومحمد بن حاطب فدخل عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون الكسوة . فقال : ائذن لهم يا غلام . فدعا بحلل فأخذ زيد أجودها حلة وقال : هذه لمحمد بن حاطب ، وكانت أمه عنده، وهو من بني لؤي - فقال عمر رضي الله عنه : أيهات أيهات . وتمثل بشعر عمارة بن الوليد :


أسرك لما صرع القوم نشوة     خروجي منها سالما غير غارم


بريئا كأني قبل لم أك منهم؟     وليس الخداع مرتضى في التنادم



[ ص: 14 ]

ردها . ثم قال : ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل . وقال : أدخل يدك فخذ حلة وأنت لا تراها فأعطهم . قال عبد الملك : فلم أر قسمة أعدل منها .

و " عمارة " هذا هو عمارة بن الوليد بن المغيرة خطب امرأة من قومه فقالت : لا أتزوجك أو تترك الشراب . فأبى ثم اشتد وجده بها فحلف لها أن لا يشرب ، ثم مر بخمار عنده شرب يشربون، فدعوه فدخل عليهم وقد أنفدوا ما عندهم ، فنحر لهم ناقته وسقاهم ببرديه . ومكثوا أياما ثم خرج فأتى أهله، فلما رأته امرأته قالت : ألم تحلف أن لا تشرب؟ فقال :


ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا     ثياب الندامى عندهم كالغنائم


ولكننا يا أم عمرو نديمنا     بمنزلة الريان ليس بعائم



أسرك . . . البيتين

فإذن رب هزل صار أداة في جد، وكلام جرى في باطل ثم استعين به على حق، كما أنه رب شيء خسيس توصل به إلى شريف، بأن ضرب مثلا فيه، وجعل مثالا له ، كما قال أبو تمام :


والله قد ضرب الأقل لنوره     مثلا من المشكاة والنبراس



[ ص: 15 ]

وعلى العكس، فرب كلمة حق أريد بها باطل فاستحق عليها الذم، كما عرفت من خبر الخارجي مع علي رضوان الله عليه . ورب قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبب به إلى قبيح كالذي حكى الجاحظ قال: رجع طاوس يوما عن مجلس محمد بن يوسف، وهو يومئذ والي اليمن فقال: ما ظننت أن قول " سبحان الله " يكون معصية لله تعالى حتى كان اليوم، سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما، فقال رجل من أهل المجلس : سبحان الله ! كالمستعظم لذلك الكلام، ليغضب ابن يوسف .

فبهذا ونحوه فاعتبر، واجعله حكما بينك وبين الشعر .

الدفاع عن الشعر

15- وبعد، فكيف وضع من الشعر عندك وكسبه المقت منك، أنك وجدت فيه الباطل والكذب وبعض ما لا يحسن، ولم يرفعه في نفسك ولم يوجب له المحبة من قلبك، أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب، وأن كان مجنى ثمر العقول والألباب ومجتمع فرق الآداب، والذي قيد على الناس المعاني الشريفة وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد حتى ترى به آثار الماضين مخلدة في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين، وترى لكل من رام الأدب ، [ ص: 16 ] وابتغى الشرف وطلب محاسن القول والفعل، منارا مرفوعا وعلما منصوبا وهاديا مرشدا ومعلما مسددا . وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر، والزاهد في اكتساب المحامد، داعيا ومحرضا وباعثا ومحضضا، ومذكرا ومعرفا وواعظا ومثقفا .

فلو كنت ممن ينصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا الرأي منك، وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه . ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به . ولكنك أبيت إلا ظنا سبق إليك وإلا بادي رأي عن لك، فأقفلت عليه قلبك، وسددت عما سواه سمعك . فعي الناصح بك وعسر على الصديق الخليط تنبيهك .

الأحاديث في ذم الشعر ومدحه

نعم وكيف رويت : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا فيريه، خير له من أن يمتلئ شعرا " . ولهجت به وتركت قوله صلى الله عليه وسلم : " إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا " ؟ وكيف نسيت أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر ووعده [ ص: 17 ] عليه الجنة وقوله لحسان : " قل وروح القدس معك " وسماعه له، واستنشاده إياه وعلمه صلى الله عليه وسلم به واستحسانه له، وارتياحه عند سماعه؟

أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر وسماعه

16- أما أمره به، فمن المعلوم ضرورة، وكذلك سماعه إياه، فقد كان حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه ويسمع منهم ويصغي إليهم ويأمرهم بالرد على المشركين، فيقولون في ذلك ويعرضون عليه . وكان عليه السلام يذكر لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب : " ما نسي ربك وما كان ربك نسيا شعرا قلته " . قال : وما هو يا رسول الله؟ قال : " أنشده يا أبا بكر " . فأنشده أبو بكر رضوان الله عليه :


زعمت سخينة أن ستغلب ربها     وليغلبن مغالب الغلاب



استنشاده الشعر

17- وأما استنشاده إياه فكثير ، من ذلك الخبر المعروف في استنشاده - حين استسقى فسقي - قول أبي طالب :

[ ص: 18 ]


وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل


يطيف به الهلاك من آل هاشم     فهم عنده في نعمة وفواضل



الأبيات

وعن الشعبي رضي الله عنه، عن مسروق ، عن عبد الله قال : لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القتلى يوم بدر مصرعين فقال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه : " لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأنامل " قال : وذلك لقول أبي طالب :


كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى     لتلتبسن أسيافنا بالأنامل


وينهض قوم في الدروع إليهم     نهوض الروايا في طريق حلاحل



[ ص: 19 ]

ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري جمعه وابن أبي حدرد الأسلمي الطريق، قال : فتذاكرنا الشكر والمعروف . قال : فقال محمد : كنا يوما عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لحسان بن ثابت : " أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية، فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته " ، فأنشده قصيدة للأعشى هجا بها علقمة بن علاثة :


علقم ما أنت إلى عامر     ألناقض الأوتار والواتر



فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد مجلسك هذا " فقال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر ؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا حسان أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى . وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني - وفي خبر آخر: فشعث مني - وإنه سأل هذا عني فأحسن القول " . فشكره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك
- وروي من وجه آخر أن حسان قال : يا رسول الله من نالتك يده وجب علينا شكره .

ومن المعروف في ذلك خبر عائشة رضوان الله عليها أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول : " أبياتك " فأقول :


ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه     يوما فتدركه العواقب قد نمى


يجزيك أو يثني عليك وإن من     أثنى عليك بما فعلت فقد جزى



[ ص: 20 ]

قالت : فيقول عليه السلام : " يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده : صنع إليك عبدي معروفا فهل شكرته عليه؟ فيقول : يا رب علمت أنه منك فشكرتك عليه، قال : فيقول الله عز وجل : لم تشكرني، إذ لم تشكر من أجريته على يده "
.

علمه بالشعر

18- وأما علمه عليه السلام بالشعر فكما روي أن سودة أنشدت :


" عدي وتيم تبتغي من تحالف "



فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما أنها عرضت بهما، وجرى بينهن كلام في هذا المعنى ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليهن وقال : " يا ويلكن ! ليس في عديكن ولا تيمكن قيل هذا . وإنما قيل هذا في عدي تميم " وتيم تميم . وتمام هذا الشعر وهو لقيس بن معدان الكليبي من بني يربوع :


فخالف ولا والله تهبط تلعة     من الأرض إلا أنت للذل عارف


ألا من رأى العبدين أو ذكرا له؟     عدي وتيم تبتغي من تحالف



[ ص: 21 ]

وروى الزبير بن بكار قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه برجل يقول في بعض أزقة مكة :


يا أيها الرجل المحول رحله     هلا نزلت بآل عبد الدار



فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أبا بكر ، أهكذا قال الشاعر ؟ " قال : لا يا رسول الله ولكنه قال :


يا أيها الرجل المحول رحله     هلا سألت عن آل عبد مناف



فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هكذا كنا نسمعها ".

ارتياحه للشعر

19- وأما ارتياحه صلى الله عليه وسلم للشعر واستحسانه له فقد جاء فيه الخبر من وجوه . من ذلك حديث النابغة الجعدي قال : أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قولي :


بلغنا السماء مجدنا وجدودنا     وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا



فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أين المظهر يا أبا ليلى ؟ " فقلت : الجنة يا رسول الله . قال : " أجل إن شاء الله " . ثم قال : " أنشدني " . فأنشدته من قولي :

[ ص: 22 ]


ولا خير في حلم إذا لم تكن له     بوادر تحمي صفوه أن يكدرا


ولا خير في جهل إذا لم يكن له     حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا



فقال صلى الله عليه وسلم " أجدت لا يفضض الله فاك " . قال الراوي : فنظرت إليه فكأن فاه البرد المنهل، ما سقطت له سن ولا انفلت، ترف غروبه.


ومن ذلك حديث كعب بن زهير : روي أن كعبا وأخاه بجيرا خرجا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغا أبرق العزاف فقال كعب لبجير : الق هذا الرجل وأنا مقيم ها هنا فانظر ما يقول . وقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فأسلم ، وبلغ ذلك كعبا ، فقال في ذلك شعرا . فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه . فكتب إليه بجير يأمره أن يسلم ويقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسقط ما كان قبل ذلك . قال : فقدم كعب وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة:


بانت سعاد فقلبي اليوم متبول     متيم إثرها لم يفد مغلول


وما سعاد غداة البين إذ رحلت     إلا أغن غضيض الطرف مكحول


تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت     كأنه منهل بالراح معلول


[ ص: 23 ]

سح السقاة عليها ماء محنية     من ماء أبطح أضحى وهو مشمول


ويلمها خلة لو أنها صدقت     موعودها أو لو ان النصح مقبول



حتى أتى على آخرها، فلما بلغ مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم :


إن الرسول لسيف يستضاء به     مهند من سيوف الله مسلول


في فتية من قريش قال قائلهم     ببطن مكة لما أسلموا : زولوا


زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف     عند اللقاء، ولا ميل معازيل


لا يقع الطعن إلا في نحورهم     وما بهم عن حياض الموت تهليل


شم العرانين أبطال، لبوسهم     من نسج داود في الهيجا، سرابيل



أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحلق أن اسمعوا . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون من أصحابه مكان المائدة من القوم يتحلقون حلقة دون حلقة، فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء
.

والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة والأثر به مستفيض.

[ ص: 24 ]

من ذم الشعر لأنه موزون مقفي

20- وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفى حتى كأن الوزن عيب وحتى كأن الكلام إذا نظم نظم الشعر، اتضع في نفسه، وتغيرت حاله، فقد أبعد وقال قولا لا يعرف له معنى وخالف العلماء في قولهم : " إنما الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح " وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا أيضا.

فإن زعم أنه إنما كره الوزن لأنه سبب لأن يتغنى في الشعر ويتلهى به، فإنا إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل والقول الفصل والمنطق الحسن والكلام البين، وإلى حسن التمثيل والاستعارة، وإلى التلويح والإشارة، وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس فتشرفه، وإلى الضئيل فتفخمه، وإلى النازل فترفعه، وإلى الخامل فتنوه به، وإلى العاطل فتحليه، وإلى المشكل فتجليه- فلا متعلق له علينا بما ذكر ولا ضرر علينا فيما أنكر، فليقل في الوزن ما شاء، وليضعه حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه.

علة منعه صلى الله عليه وسلم من الشعر

21- وهذا هو الجواب لمتعلق إن تعلق بقوله تعالى : « وما علمناه الشعر وما ينبغي له » [سورة يس: 69 ] . وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر، ومن [ ص: 25 ] حفظه وروايته، وذاك أنا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع الشعر من أجل أن كان قولا فصلا، وكلاما جزلا، ومنطقا حسنا، وبيانا بينا ، كيف وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى قد منعه البيان والبلاغة، وحماه الفصاحة والبراعة، وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ. وهذا جهل عظيم وخلاف لما عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب ، وإذا بطل أن يكون المنع من أجل هذه المعاني، وكنا قد أعلمناه أنا ندعوه إلى الشعر من أجلها، ونحدوه بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية محالا، والتعلق بها خطلا من الرأي وانحلالا.

فإن قال : إذا قال الله تعالى : « وما علمناه الشعر وما ينبغي له » [سورة يس: 69 ] فقد كره للنبي صلى الله عليه وسلم الشعر ونزهه عنه بلا شبهة . وهذه الكراهة وإن كانت لا تتوجه إليه من حيث هو كلام ومن حيث إنه بليغ بين وفصيح حسن ونحو ذلك، فإنها تتوجه إلى أمر لا بد لك من التلبس به في طلب ما ذكرت أنه مرادك من الشعر وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تميز كونه كلاما عن كونه شعرا . حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام ولم تلتبس به من حيث هو شعر . هذا محال، وإذا كان لا بد من ملابسة موضع الكراهة، فقد لزم العيب برواية الشعر وإعمال اللسان فيه.

قيل له : هذا منك كلام لا يتحصل، وذلك أنه لو كان الكلام إذا وزن حط ذلك من قدره، وأزرى به، وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما، [ ص: 26 ] وكسبه ذما لكان من حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر أو من يريده لمكان الوزن خصوصا دون من يريده لأمر خارج منه ويطلبه لشيء سواه.

تمام الدفاع عن الشعر

فأما قولك : إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس بما يكره، فإني إذا لم أقصده من أجل ذلك المكروه ولم أرده له، وأردته لأعرف به مكان بلاغة، وأجعله مثالا في براعة . أو أحتج به في تفسير كتاب وسنة، وأنظر إلى نظمه ونظم القرآن فأرى موضع الإعجاز وأقف على الجهة التي منها كان وأتبين الفصل والفرقان- فحق هذا التلبس أن لا يعتد علي ذنبا، وأن لا أؤاخذ به، إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقع المكروه وقصد إليه ، وقد تتبع العلماء الشعوذة والسحر وعنوا بالتوقف على حيل المموهين ليعرفوا فرق ما بين المعجزة والحيلة، فكان ذلك منهم من أعظم البر إذ كان الغرض كريما والقصد شريفا.

هذا وإذا نحن رجعنا إلى ما قدمنا من الأخبار وما صح من الآثار وجدنا الأمر على خلاف ما ظن هذا السائل، ورأينا السبيل في منع النبي صلى الله عليه وسلم الوزن، وأن ينطلق لسانه بالكلام الموزون غير ما ذهبوا إليه . وذاك أنه لو كان منع تنزيه وكراهة لكان ينبغي أن يكره له سماع الكلام موزونا، وأن ينزه سمعه عنه كما نزه لسانه ولكان صلى الله عليه وسلم لا يأمر به ولا يحث عليه ، وكان الشاعر لا يعان [ ص: 27 ] على وزن الكلام وصياغته شعرا، ولا يؤيد فيه بروح القدس.

وإذا كان هذا كذلك فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه وكراهة، بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه سبيل الخط، حين جعل عليه السلام لا يقرأ ولا يكتب في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط، بل لأن تكون الحجة أبهر وأقهر، والدلالة أقوى وأظهر ولتكون أكعم للجاحد، وأقمع للمعاند، وأرد لطالب الشبهة وأمنع من ارتفاع الريبة .

تعلق الذام له بأحوال الشعراء

22- وأما التعلق بأحوال الشعراء بأنهم قد ذموا في كتاب الله تعالى، فما أرى عاقلا يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه والمنع من حفظه وروايته والعلم بما فيه من بلاغة وما يختص به من أدب وحكمة، ذاك لأنه يلزم على قود هذا القول أن يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرئ القيس وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن وفي غريبه وغريب الحديث . وكذلك يلزمه أن يدفع سائر ما تقدم ذكره من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر وإصغائه إليه واستحسانه له .

[ ص: 28 ]

هذا ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله، وأنه يحمل ذنب الشاعر على الشعر لكان ينبغي أن يخص ولا يعم، وأن يستثنى، فقد قال الله عز وجل : « إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا » ولولا أن القول يجر بعضه بعضا، وأن الشيء يذكر لدخوله في القسمة، لكان حق هذا ونحوه أن لا يتشاغل به وأن لا يعاد ويبدأ في ذكره .

زهدهم في النحو واحتقارهم له

23- وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره وتهاونهم به فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم وأشبه بأن يكون صدا عن كتاب الله وعن معرفة معانيه، ذاك لأنهم لا يجدون بدا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه . والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه ، لا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه وإلا من غالط في الحقائق نفسه، وإذا كان الأمر كذلك فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير أن يستقيه من مصبه، ويأخذه من معدنه، ورضي لنفسه بالنقص والكمال لها معرض وآثر الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا.

[ ص: 29 ]

فإن قالوا : إنا لم نأب صحة هذا العلم ولم ننكر مكان الحاجة إليه في معرفة كتاب الله تعالى وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها، وفضول قول تكلفتموها، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها . ثم لم تحصلوا على شيء أكثر من أن تغربوا على السامعين، وتعايوا بها الحاضرين.

قيل لهم : خبرونا عما زعمتم أنه فضول قول وعويص لا يعود بطائل، ما هو؟ فإن بدأوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة، ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم : كيف تبني من كذا كذا؟ وكقولهم : ما وزن كذا؟ وتتبعهم في ذلك الألفاظ الوحشية كقولهم : ما وزن عزويت؟ وما وزن أرونان؟ وكقولهم في باب ما لا ينصرف : لو سميت رجلا بكذا، كيف يكون الحكم؟ وأشباه ذلك ، وقالوا : أتشكون أن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة الوقت؟

قلنا لهم : أما هذا الجنس فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه ولم تعنوا به، وليس يهمنا أمره . فقولوا فيه ما شئتم وضعوه حيث أردتم . فإن تركوا ذلك وتجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة، على وجه الحكمة في الأوضاع، وتقرير المقاييس التي اطردت عليها وذكر العلل التي اقتضت أن تجري على ما أجريت عليه، كالقول في المعتل، وفيما يلحق الحروف الثلاثة التي هي الواو والياء والألف من التغيير بالإبدال والحذف والإسكان . أو ككلامنا مثلا على التثنية وجمع السلامة ، لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد، ولم تبع النصب فيهما الجر؟ وفي النون أنه عوض عن الحركة [ ص: 30 ] والتنوين في حال وعن الحركة وحدها في حال- والكلام على ما ينصرف وما لا ينصرف، ولم كان منع الصرف؟ وبيان العلة فيه . والقول على الأسباب التسعة وأنها كلها ثوان لأصول . وأنه إذا حصل منها اثنان في اسم أو تكرر سبب صار بذلك ثانيا من جهتين ، وإذا صار كذلك أشبه الفعل لأن الفعل ثان للاسم والاسم المقدم والأول وكل ما جرى هذا المجرى؟

قلنا : إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا، ونعذركم فيه ونسامحكم على علم منا بأن قد أسأتم الاختيار ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم ومنعتموها الاطلاع على مدارج الحكمة وعلى العلوم الجمة . فدعوا ذلك وانظروا في الذي اعترفتم بصحته وبالحاجة إليه، هل حصلتموه على وجهه ؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ وهل وفيتم كل باب منه حقه وأحكمتموه إحكاما يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير، وتعاطيتم علم التأويل، ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض، وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم . وعدتم في ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟

وهل رأيتم إذ قد عرفتم صورة المبتدأ والخبر وأن إعرابهما الرفع أن تتجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره فتعلموا أنه يكون مفردا وجملة . وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميرا له وإلى ما لا يحتمل الضمير . وأن الجملة على أربعة أضرب وأنه لا بد لكل جملة وقعت خبرا لمبتدأ من أن يكون فيها ذكر يعود إلى المبتدأ وأن هذا الذكر ربما حذف لفظا وأريد معنى . وأن ذلك لا يكون حتى يكون في الحال دليل عليه إلى سائر ما يتصل بباب الابتداء من المسائل اللطيفة والفوائد الجليلة التي لا بد منها؟

وإذا نظرتم في الصفة مثلا، فعرفتم أنها تتبع الموصوف، وأن مثالها [ ص: 31 ] قولك : جاءني رجل ظريف ومررت بزيد الظريف، هل ظننتم أن وراء ذلك علما وأن هاهنا صفة تخصص وصفة توضح وتبين وأن فائدة التخصيص غير فائدة التوضيح كما أن فائدة الشياع غير فائدة الإبهام ، وأن من الصفة صفة لا يكون فيها تخصيص ولا توضيح، ولكن يؤتى بها مؤكدة كقولهم : أمس الدابر . وكقوله تعالى : « فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة » [سورة الحاقة : 13 ] وصفة يراد بها المدح والثناء، كالصفات الجارية على اسم الله تعالى جده؟ وهل عرفتم الفرق بين الصفة والخبر، وبين كل واحد منهما وبين الحال وهل عرفتم أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت المعنى للشيء ثم تختلف في كيفية ذلك الثبوت؟

وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب كلها واحدا واحدا ويسألوا عنها بابا بابا ، ثم يقال لهم : ليس إلا أحد أمرين:

إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب الله تعالى، وفي خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي معرفة الكلام جملة إلى شيء من ذلك، وتزعموا أنكم إذا عرفتم مثلا أن الفاعل رفع لم يبق عليكم في باب الفاعل شيء تحتاجون إلى معرفته، وإذا نظرتم إلى قولنا : " زيد منطلق " لم تحتاجوا من بعده إلى شيء تعلمونه في الابتداء والخبر ، وحتى تزعموا مثلا أنكم لا تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في « الصابئون » من سورة المائدة [سورة المائدة: 69 ] ، إلى ما قاله العلماء فيه، وإلى استشهادهم فيه بقول الشاعر :

[ ص: 32 ]


وإلا فاعلموا أنا وأنتم     بغاة ما بقينا في شقاق



وحتى كأن المشكل على الجميع غير مشكل عندكم ، وحتى كأنكم قد أوتيتم أن تستنبطوا من المسألة الواحدة من كل باب مسائله كلها، فتخرجوا إلى فن من التجاهل لا يبقى معه كلام.

وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم أمر هذا العلم، وظننتم ما ظننتم فيه، فترجعوا إلى الحق وتسلموا الفضل لأهله، وتدعوا الذي يزري بكم، ويفتح باب العيب عليكم ويطيل لسان القادح فيكم ، وبالله التوفيق .

23- هذا - ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه والتصرف فيما لم يتعلموا منه ولم يخوضوا في التفسير ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحدا، ولكانوا إذ لم يبنوا لم يهدموا، وإذ لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد، ولكنهم لم يفعلوا ، فجلبوا من الداء ما أعيى الطبيب وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه، إلى حد يئس من تلافيه، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت . وما الآفة العظمى إلا واحدة، وهي أن يجيء من الإنسان ويجري لفظه، ويمشي له أن [ ص: 33 ] يكثر في غير تحصيل، وأن يحسن البناء على غير أساس . وأن يقول الشيء لم يقتله علما . ونسأل الله الهداية ونرغب إليه في العصمة.

ذم عبد القاهر لأهل زمانه

24- ثم إنا وإن كنا في زمان هو على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها، وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها، ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفا والغيظ بحتا، وإلا ما يدهش عقولهم ويسلبهم معقولهم حتى صار أعجز الناس رأيا عند الجميع، من كانت له همة في أن يستفيد علما، أو يزداد فهما أو يكتسب فضلا، أو يجعل له ذلك بحال شغلا، فإن الإلف من طباع الكريم، وإذا كان من حق الصديق عليك ولا سيما إذا تقادمت صحبته وصحت صداقته، أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، وتضجرك النوائب وتحرجك محن الزمان، فتتناساه جملة وتطويه طيا . فالعلم الذي هو صديق لا يحول عن العهد، ولا يدغل في الود، وصاحب لا يصح عليه [ ص: 34 ] النكث والغدر، ولا تظن به الخيانة والمكر- أولى منك بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث