الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في منع الإمام دفع السلب إلى القاتل

[ ص: 511 ] باب في منع الإمام دفع السلب إلى القاتل أخبرني محمد بن أبي عيسى المدني ، أخبرنا الحسين بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، أخبرني محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثني صفوان بن عمرو ، وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن عوف بن مالك الأشجعي ، قال : خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من أهل اليمن ، فلقينا جموع الروم ، وفيهم رجل على فرس أشقر ، عليه سرج مذهب ، وسلاح مذهب ، فجعل الرومي يفري بالمسلمين ، وقعد له المددي خلف صخرة ، فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر ، وعلاه فقتله ، وحاز فرسه وسلاحه ، فلما فتح الله على المسلمين بعث خالد بن الوليد إليه فأخذ السلب ، قال عوف : فأتيته فقلت : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالسلب للقاتل ؟ قال : بلى ، ولكني استكثرته . قلت : لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يرد عليه ، قال عوف : فاجتمعنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصت عليه قصة المددي ، وما فعل خالد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رد إليه ما أخذت منه ، قال عوف : فقلت : دونك يا خالد ألم أف لك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وما ذلك ؟ فأخبرته ، فغضب ، فقال : يا خالد ، لا ترد عليه ، هل أنتم تاركو لي أمرائي ؛ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره .

[ ص: 512 ] قال الخطابي : يفري معناه : شدة النكاية فيهم ، يقال : يفري الفرى ، إذا كان يبالغ في الأمر ، وقوله : لأعرفنكها ؛ أي : لأجازينك بها حتى تعرف صنيعك .

قال الخطابي ، وفقهه أن السلب ما كان قليلا أو كثيرا فإنه للقاتل لا يخمس ، إلا أنه أمر خالدا يرده عليه مع استكثاره إياه ، وإنما كان رده إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه القاتل نوعا من النكير على عوف وردعا له وزجرا ، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة ولا يتسرعون إلى الوقيعة فيهم ، وكان خالد مجتهدا في صنيعه ذلك إذ كان قد استكثر السلب ، فأمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة بعد أن خطأه في رأيه الأول ، فالأمر الخاص مغمور بالعام ، واليسير من الضرر محتمل للكثير من النفع والصلاح ، فيشبه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عوض المددي من الخمس الذي هو له ، ويرضي خالدا بالنصح له وتسليم الحكم له في السلب .

وفيه دليل على أن نسخ الشيء قبل الفعل جائز ؛ ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره برد السلب ثم أمره بإمساكه قبل أن يرده ، فكان في ذلك نسخ لحكمه الأول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث