الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ هَلْ تُفِيدُ الْقَطْعَ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : نَعَمْ . وَحَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَعَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا . وَالثَّانِي : أَنَّهَا لَا تُفِيدُ . وَالثَّالِثُ : وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ أَنَّهَا تُفِيدُ الْقَطْعَ إنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ مُشَاهَدَةٌ ، أَوْ مَعْقُولَةٌ كَالتَّوَاتُرِ وَلَا يُفِيدُ الْيَقِينَ إلَّا بَعْدَ تَيَقُّنِ أُمُورٍ عَشَرَةٍ : عِصْمَةِ رُوَاةِ نَاقِلِيهَا ، وَصِحَّةِ إعْرَابِهَا ، وَتَصْرِيفِهَا ، وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ ، وَالْمَجَازِ ، وَالتَّخْصِيصِ بِالْأَشْخَاصِ ، وَالْأَزْمَانِ ، وَعَدَمِ الْإِضْمَارِ ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ اللَّفْظِيِّ ، قِيلَ : وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسْخَ ; لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عِنْدَهُ فِي التَّخْصِيصِ بِالْأَزْمَانِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي أُصُولِهِ : وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الْيَقِينِ حُصُولُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُفَصَّلَةً فِي الذِّهْنِ ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِتَرَبُّصِ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، لَا أَقَلَّ مِنْهَا ، وَلَا أَكْثَرَ . وَأَنَّ حُكْمَ الْمُحْصَرِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ لَنَا تَفْصِيلُ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالْبَالِ . وَهَذَا كَمَا يَقُولُ فِي الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ : إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ الذِّهْنُ بِتَفْصِيلِ شُرُوطِهِ حَالَةَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ . وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لَنَا الْيَقِينُ بِهِ قَبْلَ إحْضَارِ تِلْكَ الْأُمُورِ بِالْبَالِ . قَالَ : وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَسْمَعَ الْقَاصِرُ كَلَامَ الْإِمَامِ هَذَا . فَيَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ حَتَّى يَخْطِرَ لَهُ تِلْكَ الْأُمُورُ بِبَالِهِ ، وَيَعْتَبِرَهَا وَاحِدًا وَاحِدًا فَتَشُكَّ نَفْسُهُ مِمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْيَقِينِ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَنَّ تِلْكَ الْأُمُورِ ، أَوْ بَعْضِهَا بِالدَّلِيلِ ظَنٌّ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ قَرَائِنُ عَقْلِيَّةٌ ، أَوْ حَالِيَّةٌ ، فَيَحْصُلُ الْيَقِينُ مِنْهَا . انْتَهَى . وَرَدَّهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ بَعْضَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ ، وَالشِّعْرِ قَدْ بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَرَفْعِ الْفَاعِلِ ، وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ ، وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي قَطْعِيَّةَ جَمِيعِ النَّقْلِيَّاتِ ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ التَّرَاكِيبِ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِمَدْلُولِهِ ، فَقَدْ أَنْكَرَ جَمِيعَ التَّوَاتُرَاتِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ إذَا أَدَّى إلَى إثْبَاتِ أَمْرٍ ، وَقَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الْأَمْرِ ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ . وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مُعَارِضٌ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ كَمَا يُتَصَوَّرُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الْعَقْلِيِّ وَالنَّقْلِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية