الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله سبحانه أن يسعدك في زواجك، وأن يبارك لكما، ويجمع بينكما في خير، وأن يرزقكما من الذرية الصالحة ما تقر به عيونكما.
فاحمد الله تعالى أن خطيبتك تريد عمل عرس شرعي غير مختلط، ولا مشتمل على المعازف.
ولا حرج عليكم في إقامة الاحتفال بهذه الصالة، ولا بأس أن يكون في الحفل شيء من اللهو وضرب الدف، فقد روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعلنوا هذا النكاح.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: فصل ما بين الحلال والحرام: الدف، والصوت في النكاح. رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وحسنه الألباني، والأرناؤوط.
وأخرج النسائي من طريق عامر بن سعد عن قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاريين -رضي الله عنهما- قالا: إنه رخص لنا في اللهو عند العرس...
وروى البخاري من حديث عائشة -رضي الله عنها-: أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة؛ ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو.
وقال ابن قدامة صاحب الشرح الكبير:.. قال أحمد: يستحب أن يظهر النكاح، ويضرب عليه بالدف؛ حتى يشتهر ويعرف، قيل له: ما الدف؟ قال: هذا الدف، وقال: لا بأس بالغزل في العرس، كقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: أتيناكم أتيناكم * فحيونا نحييكم. اهـ.
وأما الذين يأتون الغيبة، أو يقومون بمخالفات؛ فلا شيء عليك إذا لم تكن راضيًا بذلك، وقمت بتحذيرهم ونهيهم عن المناكر، فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: فالرجل لو يسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه، بل كان مجتازًا بطريق فسمع ذلك؛ لم يأثم بذلك باتفاق المسلمين، ولو جلس واستمع إلى ذلك، ولم ينكره لا بقلبه، ولا بلسانه، ولا يده؛ كان آثما باتفاق المسلمين، كما قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام: 68-69]، وقال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء: 140]، فجعل القاعد المستمع من غير إنكار بمنزلة الفاعل، ولهذا يقال: المستمع شريك المغتاب، وفي الأثر: من شهد المعصية وكرهها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها ورضيها كان كمن شهدها، فإذا شهدها لحاجة أو لإكراه أنكرها بقلبه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. انتهى.
ونوصيك بالبعد عن التكلف، والإسراف، والمغالاة في الأمور، فقد قال الله تبارك وتعالى: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء: 26-27]. وقال تبارك وتعالى: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141].
وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: 86].
وأخرج البخاري عن عمر قال: نهينا عن التكلف.
وأخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي عن سلمان قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتكلف للضَيف.
فعليك أن تسعى في إقامة عرسك، وتخفف التكاليف التي قد تؤدي بك إلى حمل الديون التي تثقل كاهلك في المستقبل، ولن يؤدي بُعدك عن التكلف والمغالاة لصرف الرزق الذي رزقك الله إياه.
والله أعلم.