منعُ مالك الأرض من مرور الناس بأرضه... رؤية شرعية أخلاقية

29-9-2026 | إسلام ويب

السؤال:
لي جارٌ يؤذّن في المسجد ويخطب بالناس، ومع ذلك يملك قطعَ أرضٍ، وكان الناس يعبرون منها؛ لأنها أرض فضاء، وقد اعتادوا المرور منها ذهابًا وإيابًا، والوصول إلى المسجد من خلالها. وهو ليس بحاجة إليها، فقد يسّر الله له.
ثم حصلت مضايقة بينه وبين أحد الجيران، فقام ببناء سورٍ يمنع مرور الناس إلى المسجد، وقال: أنا أعلم أن الناس يمرون من هذا المكان، وهم في أمسّ الحاجة إلى العبور من أرضي. وقد أغلقها مضايقةً لأحد الجيران.
وقد ناقشته بأن يجعل ثواب مرور الناس إلى المسجد في ميزان حسناته، ووعدني بذلك ما دام لا يستخدمها في مصلحةٍ خاصةٍ به، ولكنه في اليوم التالي أغلقها، ونبّه الناس إلى عدم المرور منها.
فهل عليه إثم في ذلك؟ وهل يؤثر هذا التصرف على قبول الناس لكلامه وموعظته في أمور الدين؟
وعلى الجانب الآخر، قام أحد الرجال بالتبرع بمترٍ من أرضه ليكون طريقًا لمرور الناس إلى المسجد، فما جزاء كلا الرجلين؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الأصل أن لمالك الأرض الحق في منع الآخرين من المرور بأرضه، ولا يحل لأحد حينئذ أن يمر بأرضه بلا إذنه. 

جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر: إذا أحاط صاحب الأرض عرصته بحائط أو بستارة، فلا يحل لأحد المرور من تلك الأرض والدخول فيها، وإذا لم يحطها على الوجه المشروح، فلا يحل لأحد أيضًا المرور منها إذا كان له طريق آخر.
أما إذا لم يكن له طريق آخر، فيجوز له المرور إذا كان المار شخصًا واحدًا.
أما إذا كان المارون جماعة، فلا يجوز المرور أيضًا، كما أنه لا يجوز المرور إذا منع صاحب الأرض المرور صراحة؛ لأن التصريح يبطل الدلالة
. اهـ.

لكن يبقى قصد الإضرار بالغير بمنعه من المرور بالأرض دون أي مصلحة من تحقيق منفعة، أو دفع مضرة: قد يأثم به المالك.

قال ابن تيمية في جامع المسائل: الضرار محرم بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ)، وقال في المطلقات: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)، وقال: (وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ).
وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن شَقَّ شَقَّ الله عليه، ومَن ضَارَّ أضرَّ اللهُ بهِ"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضررَ ولا ضِرارَ". ومعلوم أن المُشاقَّة والمُضارَّة مبناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه فمتى قصد الإضرار، ولو بالمباح، أو فعل الإضرار من غير استحقاق، فهو مضار.
وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به، لا لقصد الإضرار، فليس بمضار
. اهـ.

والمقرر شرعًا أنه يجب على المسلم أن يبذل للمحتاج المنفعة التي لا يضره بذلها.

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به؛ أو قدرا يطبخون فيها؛ أو فأسًا يحفرون به: فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره.
والصحيح: وجوب بذل ذلك مجانًا إذا كان صاحبها مستغنيًا عن تلك المنفعة وعوضها؛ كما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم يراءون} {ويمنعون الماعون}. وفي السنن عن ابن مسعود قال: كنا نعد الماعون عارية الدلو والقدر والفأس. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر الخيل قال: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها تغنيًا وتعففًا؛ ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من حق الإبل إعارة دلوها وإضراب فحلها. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم {أنه نهى عن عسب الفحل}، وفي الصحيحين عنه أنه قال: {لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره}.
وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره. ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض: فهل يجبر؟ على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد، والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للمانع: والله لنجرينها ولو على بطنك
. اهـ.

وفي فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين: هذا موجود كثير في الشريعة: أنه لا يحل للإنسان أن يمنع أخاه من شيء ينتفع به أخوه وهو لا يضره، كما جرى لعمر بن الخطاب مع محمد بن مسلمة حين منع جاره أن يجري الماء من أرض محمد، فقال عمر: "لأجرينه ولو على بطنك"، وكما قال أبو هريرة في وضع الخشب على الجدار: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم" ومن فوائد هذا الحديث (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره): أنه يجب على المسلم ألا يمنع أخاه حق الانتفاع بملكه إذا لم يكن عليه ضرر. اهـ.

وعلى كل حال؛ فتصرف هذا المرء لا يمنع من الاستماع لنصحه، فالحق يقبل ممن جاء به، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: إن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به؛ فإن على الحق نورًا. أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.

وأما فضل السماح للمصلين بالمرور من الأرض إلى المسجد، فهو داخل في عموم النصوص الدالة على الإعانة على الخير، وبذل المعروف، قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2].

وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من دل على خير فله مثل أجر فاعله.

قال النووي في شرح صحيح مسلم: فيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه، والمساعدة لفاعله. اهـ.

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل معروف صدقة. 

قال قوام السنة الأصبهاني في التحرير في شرح مسلم: فيه دليل: أن كل شيء تصل منفعته إلى الناس، فهو معروف؛ وهو صدقة. اهـ.

والله أعلم.

www.islamweb.net