الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالعمرة عن الغير، جائزة في الجملة، كما جاء في الموسوعة الفقهية: ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنه يجوز أداء العمرة عن الغير... ولهم في ذلك تفصيل. اهـ.
ومن ذلك أن يكون النائب قد اعتمر عن نفسه، وأن يكون المستنيب ممن تجوز النيابة عنه؛ كالميت، والمعضوب العاجز عن الاعتمار بنفسه عجزاً كلياً، وأن يأذن لغيره بأدائها عنه. ولا شك أن التبرع والتطوع بها عن الغير هو الأفضل والأكمل للثواب.
وأما بالنسبة لإنشاء مشروع تجاري، أو شركة تكون وسيطًا، أو مقدمًا لخدمة أداء عمرة البدل بمقابل مادي، فهذا مبني أولاً على حكم الاعتمار عن الغير نظير أجرة، وهو مما اختلف في جوازه أهل العلم.
فمنع من ذلك الحنابلة؛ لأن القاعدة عندهم أن: كل ما كان فاعله يختص بأن يكون من أهل القُربة لا يجوز أخذ الأجرة على فعله؛ كتعليم القرآن، والحج، والاعتمار عن الغير، ونحو ذلك.
وأجاز جمع من العلماء أخذ الأجرة على هذا الفعل، وهو قول الشافعية والمالكية.
قال ابن قدامة في الشرح الكبير: (مسألة): (ولا تجوز الإجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة؛ كالحج، والأذان، وعنه تجوز)، معنى قوله: يختص فاعله أن يكون من أهل القربة: أنه يكون مسلمًا، وقد اختلفت الرواية عن أحمد -رحمه الله- في الاستئجار على عمل يختص فاعله أن يكون مسلمًا؛ كالإمامة، والحج، والأذان، وتعليم القرآن. فروي عنه أنها لا تصح. وبه قال عطاء، والضحاك بن قيس، وأبو حنيفة، والزهري، وكره إسحاق تعليم القرآن بأجر... وممن أجاز ذلك مالك والشافعي. اهـ.
وإنشاء شركة أو مشروع يكون وسيطًا بين المستنيبين (أهل الميت أو العاجز) والنواب (المعتمرين)، لا حرج فيه في الأصل؛ لأنه داخل في السمسرة والجعالة المباحة، والأولى التنزه عن مثل هذا النوع من التكسب؛ لما فيه من الخلاف، ولما فيه من تفريغ العبادة من روحها، ولما قد يحصل من التساهل في تكليف من لا يُوثق بدينه أو فقهه بالمناسك.
وأما الجمع بين نية القربة، ونية التكسب المادي، فالظاهر أنه لا حرج في ذلك طالما كان المقصد الأصلي ابتغاء الأجر، ونفع المسلمين، وملازمة الحرم للتعبد فيه، وما ينال من أجر مادي يقصد بالتبع، وإن كان الأكمل أن ينوي المؤمن ثواب الآخرة، دون التفات لثواب الدنيا؛ فقد قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق: 2-3]، ووجه الاستشهاد من الآية أنها تضمنت ترغيبًا في التقوى بأمر دنيوي، وهو المخرج من كل ضيق، وسعة الرزق.
وروى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -عام حنين-: من قتل قتيلاً له عليه بيّنة، فله سلَبه. رواه البخاري ومسلم.
وأما الاقتصار على تحصيل الكسب المادي فقط، فهذا هو المذموم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع: والمستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج، لا أن يحج ليأخذ، فمن أحب إبرار الميت برؤية المشاعر يأخذ ليحج، ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح، ففرق بين من يقصد الدين والدنيا وسيلته وعكسه، فالأشبه أن عكسه ليس له في الآخرة من خلاق، والأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة هل يجوز إيقاعها غير وجه القربة؟ فمن قال: لا يجوز ذلك لم يجز الإجارة عليها؛ لأنها بالعوض تقع غير قربة، وإنما الأعمال بالنيات، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، ومن جوز الإجارة جوز إيقاعها على غير وجه القربة، وقال: تجوز الإجارة عليها؛ لما فيها من نفع المستأجر. اهـ.
والله أعلم.