الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمن عاهد الله على ترك محرم، فعليه الوفاء به من باب البعد عن المعاصي والوفاء بالعهد، وقد حث الله عز وجل على الوفاء بالعهد في آيات كثيرة من محكم كتابه، فقال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: 34].
وقد اختلف أهل العلم في صيغة "أعاهد الله ألا أفعله كذا"، فمذهب الجمهور من الحنفية والحنابلة وقول عند المالكية أنها من الأيمان، قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل: 91]، فجعل العهد يميناً.
قال السرخسي في المبسوط: لو قال: عهد الله علي، فالعهد يمين، قال الله تعالى: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [النحل: 91] معناه: إذا حلفتم، بدليل قوله تعالى: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [النحل: 91].
وقال ابن قدامة في المغني: إذا حلف بالعهد، أو قال: عهد الله وكفالته، فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها. اهـ.
وعند الشافعية أنها لا تكون يمينًا إلا بالنية، قال الدمياطي في حل ألفاظ المعين: وما يكون كناية فلا ينعقد بها اليمين إلا بالنية، وذلك كأن يأتي بالجلالة مع حذف حرف القسم نحو: الله -بتثليب الهاء، أو تسكينها-، لأفعلن كذا، ونحو لعمر الله، أو على عهد الله، أو ميثاقه، أو ذمته، أو أمانته، أو كفالته لأفعلن كذا. اهـ.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تارة تكون يميناً ونذراً، وتارة يميناً فقط، فإن التزم بها قربة وطاعة، فهي نذر ويمين، وإن التزم بها ما ليس بقربة، فهي يمين لا نذر، وهو المفتى به عندنا.
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: والعهود، والعقود متقاربة المعنى، أو متفقة، فإذا قال: أعاهد الله أني أحج العام، فهو نذر، وعهد، ويمين، وإن قال: لا أكلم زيدًا، فيمين، وعهد، لا نذر، فالأيمان تضمنت معنى النذر، وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء، وهي عقد، وعهد، ومعاهدة لله؛ لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه. اهـ.
وبما أنك فعلت ما عاهدت الله على عدم فعله، فعليك -أولًا- التوبة إلى الله تعالى من نقض عهده، ومن اقتراف ذلك الذنب المسمى بالعادة السرية، وعليك أيضًا كفارة يمين، وهي مبينة في قول الله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [المائدة: 89].
واعلم أن جهلك بأن العهد ليس بيمين، وأن نقضه يوجب الكفارة لا يسقطها عنك، لأن العلم بحرمة النقض مع الجهل بوجوب الكفارة لا يسقط الكفارة، إذ الجهل الذي يعذر به المكلف هو الجهل بالحكم، وأما الجهل بما يترتب على الحكم، أي الجهل بالعقوبة فلا أثر له.
وانظر للفائدة الفتوى: 127442.
وأما ما يأتيك من الأفكار بأن نقضك للعهد سيغلق في وجهك أبواب الرزق والتسهيل حتى تكفر: فمن المعلوم أن المعاصي قد تكون سببًا في ضيق الرزق، فلها شؤم، ولكن الله تعالى رحيم بعباده، لا يغلق أبواب فضله وتوفيقه عمن ندم وتاب إليه.
والله أعلم.