الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنا لا نظنّ الشيوخ الذين حدّدوا ربع ساعة على وجه التقريب راعوا حال القطبين، وإنما أفتوا بحسب حال بلادهم.
وينبغي أن يكون التحديد في البلاد المختلفة بما حدّده أهل العلم قديمًا، وهو الارتفاع، وزوال الحمرة، وبياض الشمس، وهذا هو الموافق لما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان؛ وحينئذ يسجد لها الكفار.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا صلّى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء.
قال البيضاوي في تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة: والمعنى: حتى تطلع الشمس نقية بيضاء زائلة عنها الصفرة التي تتخيّل فيها عند الطلوع بسبب ما يعترض دونها على الأفق من الأبخرة والأدخنة. اهـ.
وقال العراقي في طرح التثريب في شرح التقريب: وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي يذهب معه صفرة الشمس أو حمرتها. اهـ.
وقال الشوكاني: قوله: (وترتفع) فيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس طلوع الشمس، بل لا بدّ من الارتفاع. وقد وقع عند البخاري من حديث عمر المتقدم بلفظ: "حتى تشرق الشمس"، والإشراق: الإضاءة.
وفي حديث عقبة الآتي: "حتى تطلع الشمس بازغة"؛ وذلك يبيّن أن المراد بالطلوع المذكور في حديث الباب وغيره: الارتفاع والإضاءة، لا مجرد الظهور، ذكر معنى ذلك القاضي عياض.
قال النووي: وهو متعيّن لا عدول عنه؛ للجمع بين الروايات. اهـ.
وجاء في الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: والمراد بالطلوع هنا: ارتفاع الشمس وإشراقها وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، كما في النواوي، يدلّ عليه ما يأتي من حديث: "إذا بدا حاجب الشمس؛ فأخّروا الصلاة حتى تبرز"، وحديث النهي حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع. اهـ.
وأما وقت استواء الشمس، فقد ثبت فيه حديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان؛ وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورةٌ حتى يستقلَّ الظلُّ بالرمحِ، ثم أقصِر عن الصلاة؛ فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ؛ فإن الصلاة مشهودةٌ محضورةٌ حتى تصلي العصر، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان؛ وحينئذ يسجد لها الكفار، أخرجه مسلم.
وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهنّ، أو أن نقبر فيهنّ موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب، أخرجه مسلم.
وضابط هذا الوقت هو: توقف ظل الشمس عن النقص حتى يبدأ بالزيادة، ويتحوّل من الغرب إلى المشرق، فقد جاء في شرح النووي على مسلم: معنى أقبل الفيء: ظهر إلى جهة المشرق، والفيء مختص بما بعد الزوال. اهـ.
وقال الصنعاني في سبل السلام شرح بلوغ المرام: ومعنى قوله: (قائم الظهيرة) قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته وقفت، والشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظلّ إلى أن تزول، فيتخيّل الناظر المتأمّل أنها وقفت وهي سائرة. اهـ.
وجاء في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: ضبط هذا الوقت متعسّر؛ فلهذا؛ كانت الصلاة جائزة من حين الزوال، كما في حديث عمرو بن عبسة: {فإذا أقبل الفيء، فصلّ}، فدلّ على أن الصلاة مشروعة من حين يقبل الفيء، فيفيء الظل، أي: يرجع من جهة المغرب إلى جهة المشرق، ويرجع في الزيادة بعد النقصان.
ولهذا قالوا: إن لفظ الفيء مختصّ بما بعد الزوال؛ لما فيه من معنى الرجوع. انتهى باختصار.
وقال الشيخ الشنقيطي في شرح زاد المستقنع: النصوص دلّت على أن أول وقت الظهر الزوال، والمراد بالزوال زوال الشمس...
فالشمس تطلع من مشرقها؛ فيكون الظلّ في جهة المغرب، على أقصى ما يكون عند ارتفاع شعاعها، ثم ترتفع قليلاً قليلاً، فينقبض الظل من جهة المغرب قليلاً قليلاً حتى تنتصف في كبد السماء، فإذا انتصفت في كبد السماء، وقف الظلّ عن الحركة، فلا يزيد، ولا ينقص، وهذا الانتصاف قال بعض الخبراء من أهل الفلك: إنه لحظة يسيرة، أي: قد يكون إلى دقائق معدودة جدًّا، وفي هذا الوقت وهو وقت انتصافها في كبد السماء تسجر جهنم -والعياذ بالله-؛ ولذلك نُهِي عن الصلاة فيه؛ لأنه لحظة عذاب، وليست بساعة رحمة، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإذا اعتدلت على رأسك، فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم).
وثبت عن عقبة بن عامر أنه قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهنّ، أو أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب).
وهذه اللحظة هي لحظة انتصاف النهار، وتكون في منتصف الوقت ما بين طلوع الشمس وغروبها بإذن الله عز وجل...
وهي لحظة وقوف الظلّ، لا يجوز إيقاع الصلاة -كما قلنا- في قول الجماهير...
ثم كيفية معرفة هذا الوقت تختلف باختلاف الفصول، وباختلاف البلدان، ولكن الطريقة التي يمكن للإنسان أن يضبط بها المواقيت: أن يثبت شاخصاً على مكانٍ مستوٍ، ويعرف طول هذا الشاخص، ثم بعد ذلك ينظر في ظلّ الشاخص، فتبدأ الشمس طالعة من مشرقها؛ فيراقب الظل في جهة المغرب، فكلما تقاصر الظلّ، خاصةً عند منتصف النهار، يضع العلامة، خاصة إذا كان الشاخص على ورقة أو نحوها، فيضع علامة على الظل، حتى يقف الظل؛ فيعلم أن هذه اللحظة التي وقف فيها الظل هي الساعة التي انتصف فيها النهار، بمعنى أنه بمجرد ما يبتدئ الظل بالزيادة والانحسار إلى جهة المشرق؛ فاعلم أنها ساعة الزوال، وأن ما قبلها ساعة انتصاف النهار. انتهى باختصار.
والله أعلم.