الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالمتوفى عنها زوجها يجب عليها لزوم بيته في قول الأئمة الأربعة، وما دامت لم تشرع في سفر الحج، فالذي نصوا عليه أنه يلزمها الاعتداد وترك السفر، وأنها إن كانت شرعت في سفر الحج أتمته إن كان في رجوعها ضرر عليها.
جاء في المغني: المعتدة من الوفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج، ولا إلى غيره ... وإن خرجت، فمات زوجها في الطريق، رجعت إن كانت قريبة؛ لأنها في حكم الإقامة، وإن تباعدت، مضت في سفرها.
وقال مالك: ترد ما لم تحرم.
والصحيح: أن البعيدة لا ترد؛ لأنه يضر بها، وعليها مشقة. انتهى.
فلتجتهد هذه المرأة في استرجاع ما دفعته من نفقات، ولو بإدخال شخص آخر مكانها في رحلة الحج، ثم تعتد في بيتها، فإن تيسر لها الحج فيما بعد حجت، وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فإن تعذر عليها استرجاع المال، وكان ذلك المال مالًا معتبرًا، وفي ضياعه ضرر عليها، فقد أفتى بعض العلماء المعاصرين بأن هذا ينزل منزلة ما إذا شرعت في سفر الحج حتى تباعدت، فلها أن تمضي للحج -والحال هذه- دفعًا للضرر، وهو ما أفتى به شيخ الأزهر الأسبق الشيخ: جاد الحق -رحمه الله-، فقد قال في نحو هذا: لما كان ذلك؛ كان جائزًا للسيدة المسؤول عنها السفر لأداء فريضة الحج، وإن كانت في عدة وفاة زوجها؛ لأن الحج آكد، باعتباره أحد أركان الإسلام، والمشقة بتفويته تعظم، فوجب تقديمه، لا سيما وقد دخلت في مقدماته في حياة الزوج وبإذنه، وذلك تخريجًا على تلك النصوص من فقه الأئمة مالك والشافعي وأحمد.. انتهى.
ويتأيد هذا بأن في لزوم المرأة المعتدة بيت الزوجية خلافًا بين السلف، فلم يره جماعة منهم، وهو اختيار ابن حزم بناء على تضعيف الحديث الوارد في الأمر بلزوم المسكن.
قال ابن حزم في المحلى بالآثار: مسألة: وتعتد المتوفى عنها، والمطلقة ثلاثًا، أو آخر ثلاث، والمعتقة تختار فراق زوجها: حيث أحببن. ولا سكنى لهن، لا على المطلق، ولا على ورثة الميت، ولا على الذي اختارت فراقه، ولا نفقة. ولهن أن يحججن في عدتهن، وأن يرحلن حيث شئن... انتهى.
قال ابن المنذر في الإشراف على مذاهب العلماء: واختلفوا في إجماعهم على أن عدة المتوفى عنها زوجها على ما ذكرناه في مقام المتوفى عنها زوجها في مسكنها حتى تنقضي عدتها، وخروجها منه.
فقالت طائفة: عليها أن تثبت في منزلها حتى تنقضي عدتها، هذا قول الليث بن سعد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، والنعمان وأصحابه.
وقد روينا أخباراً عن عثمان بن عفان، وابن مسعود، وابن عمر، وأم سلمة تدل على ما قاله هؤلاء.
وقالت طائفة: تعتد حيث شاءت، هذا قول عطاء، وجابر بن زيد، والحسن.
وروينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وجابر، وعائشة أم المؤمنين.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول للخبر الذي ذكرته عن الفريعة. انتهى.
وهذا القول -وإن كان مرجوحًا- فقد أجاز بعض أهل العلم الأخذ بالقول المرجوح عند المشقة وصعوبة الأمر، كما ذكرناه في الفتوى: 134759.
والله أعلم.