تزوجت قبل انتهاء العدة جاهلة بعد نكاح فاسد

19-9-2012 | إسلام ويب

السؤال:
أنا فتاة مغتربة، تزوجت رجلا دون علم أهلي، وبعد ذلك علمت أن هذا الزواج باطل، فاستغفرت الله وتبت عما فعلت، وعدت إلى بلدي وتركت ذلك الشخص ولم أكلمه ثانية. وبعد عام ونصف تقدم لخطبتي شاب متدين للغاية ويخشى الله، فقبل به أهلي الذين لم يعلموا بأمر الزواج السابق. وعلمت أنه علي التطليق من الزواج الأول. فكلمت الشخص الأول هاتفياً وطلبت منه الطلاق فطلقني، وبعد مرور شهرين (حيضتين) تزوجت زوجي الحالي وأنجبت منه. واستغفرت الله على ما فات. ولكني قرأت على الإنترنت أنه حتى وإن كان الزواج الأول باطلاً فلا بد له من عدة. وأقسم بالله أنني لم أعرف. فما العمل الآن؟ وهل زواجي الحالي حلال أم باطل؟ علمًا بأن زوجي الأول تركني أكثر من عام ونصف قبل أن يطلقني ولم أره أو أمسه. أرجو الفتوى. فضميرى يعذبني ولا أريد أن أكون سببًا في دخول زوجي النار فهو رجل تقي نقي. جزاكم الله خيرا.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فينبغي أولا أن نفرق بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، فالفاسد هو الذي في صحته خلاف بين أهل العلم، كالنكاح بلا ولي، وهذا فيه العدة بثلاث حيضات، كالعدة من النكاح الصحيح، على مذهب الجمهور. قال ابن قدامة في المُغني: الموطوءة بشبهة تعتد عدة المطلقة، وكذلك الموطوءة في نكاح فاسد. وبهذا قال الشافعي؛ لأن وطء الشبهة في النكاح الفاسد، في شغل الرحم ولحوق النسب، كالوطء في النكاح الصحيح، فكان مثله فيما تحصل به البراءة. اهـ. 

وأما النكاح الباطل فهو المجمع على فساده، وهذا لا يوجب العدة، ووجوده كعدمه. قال ابن قدامة: إذا نكح رجل امرأة نكاحا متفقا على بطلانه، مثل أن ينكح ذات محرمه، أو معتدة يعلم حالها وتحريمها، فلا حكم لعقده، والخلوة بها كالخلوة بالأجنبية، لا توجب عدة. اهـ. 

وجاء في كشاف القناع للبهوتي: (وإن مات عن امرأة نكاحُها فاسدٌ، كالنكاح المختلَفِ فيه) كـ: بلا وليٍّ (فعليها عِدّة وفاة) لأنه نكاح يلحق فيه النسب، فوجبت به العدة كالصحيح. وإن فارقها في الحياة بعد الإصابة أو الخلوة؛ اعتدت بثلاثة قُروء أو أشهر. والنكاح المجمع على بطلانه وجوده كعدمه. اهـ. 

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية في الحالين أنه ليس عليها عدة، بل تستبرئ بحيضة واحدة. قال في مجموع الفتاوى: إذا لم يجب على المختلعة إلا عدة بحيضة، فعلى المنكوحة نكاحا فاسدا أولى؛ فإنه لا رجعة عليها . ولا نفقة لها ... أما مقدار العدة فقد ذكرنا عن أحمد روايتين في المختلعة، فإن لم يكن بينها وبين المنكوحة نكاحا فاسدا فرق شرعي، وإلا وجب أن يقال في المنكوحة نكاحا فاسدا: إنما تعتد بحيضة كما مضت به السنة. اهـ. 

وقال ابن مفلح في الفروع: عِدَّةُ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ كَمُطَلَّقَةٍ ... وَعَنْهُ -أي الإمام أحمد-: لَا عِدَّةَ بَلْ تَسْتَبْرِئُ، اختاره الحلوإني وابن رزين .. واختاره شَيْخُنَا -يعني ابن تيمية- فِي الْكُلِّ، وَفِي كُلِّ فَسْخٍ وَطَلَاقِ ثَلَاثٍ. اهـ. 

وقال المرداوي في الإنصاف: عدة الموطوءة بشبهة عدة المطلقة. هذا المذهب. وعليه الأصحاب. وحكاه أبو الخطاب في «الانتصار» إجماعا. وكذا عدة من نكاحها فاسد. واختار الشيخ تقي الدين -رحمه الله- أن كل واحدة منهما تستبرأ بحيضة، وأنه أحد الوجهين في الموطوءة بشبهة. اهـ. 

وعلى مذهب الجمهور الذين يوجبون في النكاح الفاسد عدة كعدة النكاح الصحيح، فإن منهم من يجعل العدة في النكاح الفاسد ليست من وقت التفريق، كما هو مذهب الأكثر، وإنما من آخر وطء، وهذا قال به زفر من الحنفية، واختاره منهم الصَّفَّار. وبناء على هذا القول فقد انقضت عدة السائلة حيث مضى على آخر وطء أكثر من عام ونصف. 

قال الكاساني في بدائع الصنائع: أما النكاح الفاسد، فلا حكم له قبل الدخول، وأما بعد الدخول، فيتعلق به أحكام منها ثبوت النسب ومنها وجوب العدة ... واختلف في وقت وجوب العدة أنها من أي وقت تعتبر، قال أصحابنا الثلاثة: إنها تجب من حين يفرق بينهما. وقال زفر: من آخر وطء وطئها، حتى لو كانت قد حاضت ثلاث حيض بعد آخر وطء وطئها قبل التفريق، فقد انقضت عدتها عنده. وجه قوله أن العدة تجب بالوطء؛ لأنها تجب لاستبراء الرحم، وذلك حكم الوطء ألا ترى أنها لا تجب قبل الوطء، وإذا كان وجوبها بالوطء تجب عقيب الوطء بلا فصل كأحكام سائر العلل. (ولنا) أن النكاح الفاسد بعد الوطء منعقد في حق الفراش لما بينا، والفراش لا يزول قبل التفريق بدليل أنه لو وطئها قبل التفريق لا حد عليه، ولا يجب عليه بتكرار الوطء إلا مهر واحد. اهـ.

وكذلك منهم من يجعل الفسخ في النكاح ليس مختصا بالزوج، بل للزوجة أن تفسخه أيضا وذلك بمتارتكها للزوج، كما فعلت السائلة، ولا يلزم عندهم علم الزوج بوقوع المتاركة. قال ابن الهمام في فتح القدير: ولكل منهما فسخ الفاسد بغير حضور الآخر. وقيل: بعد الدخول ليس له ذلك إلا بحضور الآخر. وعلم غير المتارك ليس شرطا لصحة المتاركة على الأصح. اهـ. 

وقال ابن نجيم في البحر الرائق: المتاركة لا تختص بالزوج، بل تكون من المرأة أيضا، ولذا ذكر مسكين في شرحه من صورها أن تقول له: تركتك. اهـ. 

وأخيرا ننبه على أن المرأة إن تارَكَتْ زوجَها في النكاح الفاسد وفارقته، ومضى عليها بعد ذلك ثلاث حيضات، جاز لها فيما بينها وبين الله -وليس في حكم القضاء- أن تتزوج بغيره، عند بعض أهل العلم. قال ابن الهمام في فتح القدير: اختار الصفار قول زفر، حتى لو حاضت ثلاث حيض من آخر الوطآت قبل التفريق انقضت العدة، وعندنا ما لم تحضها بعد التفريق أو المتاركة لم تنقض، ويجب أن يكون هذا كله في القضاء، أما فيما بينها وبين الله تعالى فإذا علمت أنها حاضت بعد آخر وطء ثلاثا ينبغي أن يحل لها التزوج فيما بينها وبين الله تعالى على قياس ما قدمناه من نقل العتابي. اهـ. 

وبناء على هذا القول، وعلى الرواية الأخرى في مذهب أحمد والتي اختارها شيخ الإسلام من أن النكاح الفاسد يكون فيه استبراء بحيضة واحدة، فزواج السائلة من زوجها الحالي زواج صحيح. 

وقد اختار ذلك من المعاصرين، الشيخ ابن عثيمين، وانظري الفتوى: 206767 . 

والله أعلم

www.islamweb.net