الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبي يظلمنا ويقسو علينا ويحترم غيرنا، فكيف نتصرف؟

السؤال

السلام عليكم

أنا أعتبركم عائلتي الثانية، لذلك أريد أن أسألكم عن شيء: أبي ظالم متكبر، ويحب أن يهيننا، وليس هو فقط بل يريد أن يهيننا الناس، وفوق ذلك بخيل من ناحية، ومقصر بشكل كبير من ناحية أخرى، مع أنه ابن تاجر كبير، ولديه المال ولكن لا يعطينا، نحن نرعاه ونخدمه، ومن الصباح نستيقظ لأجله، ومع ذلك فوالدنا متبرئ منا، تخيلوا أنه يعطي ابن عمي مليونًا، ويعطيني خمسين ألفاً فقط، والتي تقريبًا تساوي أقل من عشر المبلغ الذي يعطيه للناس، وفوق هذا يهيننا ويسبنا ويبحث عن الزلة الصغيرة، وفوق ذلك بيتنا إيجار، وحتى الناس تعيِّره بهذا.

وهنا سؤالي: هو يريد إهانتنا عن طريق أخوالنا، وأنا وإخواني لا نتحمل هذا الظلم، وربما نتجاوز عنه، وأرجو ألا تأخذوا نظرة سيئة عنا، نحن ننصحه حتى في الدين، نعم هو لم يعلمنا الدين، ولا أي شيء.

هل تقبلونها لنا؟ والله عندنا غصة وخنقة في القلب، فهو رجل كبير يريد أن يهيننا أخوالنا، مع أنه مهان منهم ونحن ندافع عنه، لماذا الإنسان يحب من يهينه؟

أرجوكم أجيبوني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك -أخي حسين- وبارك الله فيك بين أهلك وإخوانك في -إسلام ويب- وإنه ليسرنا تواصلك معنا في أي وقت، ونحن كما اعتبرتنا من أهلك، فإنا نتعامل معك على أنك من أهلنا، الإسلام جعلك أخًا لنا، ورابطة الإسلام أعظم وأقوى رابطة (إنما المؤمنون إخوة).

وبخصوص ما تفضلت به، فاعلم بارك الله فيك ما يلي:

أولاً: نحن نتفهم ألمك، وندرك أن حديثك عن والدك بهذا الأسلوب هو مؤذ لك قبل أن يكون مؤذيًا لغيرك، وندرك أنك من داخلك ما كنت تتمنى أن تصل إلى مثل هذه المرحلة من الحديث، لكنها المعاناة التي أحاطت بك وبإخوانك، نسأل الله أن يفرج عنكم الهم، وأن يصلح لكم الوالد.

ثانيًا: دعنا نتفق على قاعدتين أخي الكريم:

الأولى: أن ظلم الوالد لولده محاسب هو عليه، فقد أمر الله الآباء بتربية أولادهم على الخير والصلاح قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) {التحريم:6}، فالأولاد عند الآباء ودائع، وقد جعلهم الله عند الآباء أمانة، كما قال الشيخ السعدي، مخاطبا الآباء: "قد وصاكم الله عليهم؛ لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم، وتؤدبونهم، وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله، وملازمة التقوى على الدوام، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ){التحريم:6}، فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها، فيستحقون بذلك الوعيد والعقاب)".

وقد روى البخاري، ومسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته... الرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها، وولده، وهي مسؤولة عنهم...) الحديث، وعليه فإن المحاسبة قد تكفل الله تعالى بها.

الثاني: بر الولد بأبيه غير مرتبط بإحسان الوالد له، فكما هو محاسب على التقصير، أنت محاسب على البر مسؤول عن العقوق إليه، وهذا عدل الله -أخي الكريم-، فلا تذهب نفسك على ما حدث حسرات، وثق أنك متى ما فعلت ما عليك وأحسنت إليه، اعلم قطعا أن الله سيكرمك ويبارك فيك، ويعوضك في نفسك وأولادك خيرًا -إن شاء الله-.

ثالثًا: اعلم -أخي الكريم- أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يظلم ربك أحدًا، وأنه سبحانه بالمرصاد لكل ظالم، يمهل ربنا ولا يهمل، فمن تعمد إهانة والده فإنه آثم، وصبرك على ما أنت فيه قربى وطاعة، فاجتهد أن تنقل المسألة من الماضي المؤلم إلى الغد الذي تبره فيه، وأنت منتظر الأجر من سيدك ومولاك.

رابعًا: أريد كذلك أخي حسين أن أتجاوز معك مسألة البر للأجر فقط، إلى مسألة الإحسان إلى الوالد خاصة، وهو في هذا السن الكبير: أرجو أن تقتربوا أكثر منه، وأن تجتهدوا في إظهار محبتكم له، فالآباء مفطورون على محبة أولادهم، ولعله إن وجد قربكم منه يرعوِ ويعدل؛ خاصة في مثل هذا العمر الكبير.

وأخيرًا: تعامل معه كما تحب أن يتعامل معك بنوك، فالبر دين يا أخي كما العقوق، وثق أن الله سيكتب أجرك، نسأل الله أن يثبتك على الطاعة، وأن يبارك فيك، وأن يهدي والدك لكل خير، وأن يقيكم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً