الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مللت من الحياة بسبب شكلي!

السؤال

السلام عليكم

مللت من الحياة بسبب أني قبيح الشكل، أهلي لا يحبونني، في المدرسة لا أحد يحبني، في العمل لا أحد يحبني، وكل هذا بسبب شكلي؛ لا تتخيل العذاب الذي أمر به، وأنا في مدينة كل الشباب فيها جميلون، وأفكر في الانتحار، لكني أخاف من عذاب الله، وأريد أن أعرف لماذا لم يخلقني الله جميلا؟ ما هو ذنبي أن أولد قبيحا؟ وأرجو أن يسامحني الله.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أسامة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك أخي الكريم في موقعك إسلام ويب، وإنا نسأل الله الكريم الحليم أن يحفظك، وأن يبارك في عمرك، وأن يقدر لك الخير حيث كان وأن يرضيك به.

أخي أسامة: إننا نحمد الله إليك ما أنت فيه من نعم وعافية كثيرة، كم يتمنى كثير من الناس مثلها أو بعضها، نعم أخي، هناك من ولد حبيس المرض والفقر والجهل، وهناك من ابتلي بالحرب في بلده فلا يستطيع النوم، ولا يقدر على مواصلة الحياة، وكل إنسان له حظه من الابتلاء، تلك طبيعة الحياة التي أوجدنا الله فيها، فما أنت فيه هو لون من ألوان الابتلاء التي لا يخلو مسلم من وجود أصله، وإن تعددت أشكاله وألوانه، فمن الناس من يبتلى في ماله أو بدنه أو أهله أو ولده أو جيرانه، ومنهم من يبتلى في زوجه أو بين التوفيق بين ما أوجبه الله عليه من بر الوالدين وما كلفه من رعاية زوجه، المهم أن البلاء مدرك الجميع لا محالة، كل على حسب دينه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (يبتلى المرء على قدر دينه)، وعلة الابتلاء أخبر الله عنها بقوله (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، فالله يبتلي عباده بما شاء لأجل رفع منزلة أو تكفير ذنب لمن صبر على ذلك، وعليك الصبر على ذلك مع الجهد على تحسين الحال.

ثانيا: من أعظم آفات الابتلاء أخي الحبيب: أن من فيه يظن أنه أكثر الناس بلاء ولا يرى ما أنعم الله عليه من نعم آخر، فمثلا الفقير لا يرى نعمة الله عليه في صحته أو في زوجه أو في أولاده وإنما ينظر إلى ربه من خلال فقره، وكذلك من ابتلي بالمرض لا ينظر إلى نعم الله عليه في الغنى أو الزوجة الصالحة أو الولد البار، ويظل ينظر إلى الله من خلال مرضه، وهذا سوء أدب مع الله عز وجل، ولو فتشنا في حياتنا لوجدنا نعما كثيرة تناسيناها، ولو أمعنا النظر فيها لعلمنا فضل الله علينا.

ثالثا: أما بالنسبة لسؤالك: لماذا خلقني الله هكذا؟ فنقول لك ابتداء: هذا سؤال لا يجوز، فالله عز وجل لا يسأل عما يفعل، والأمر بيده كله، ولا ينبغي لمسلم أن يحاكم ربه، وعليه فالتسليم هو أول ما ينبغي عليك الإذعان له إن أردت السلامة في دينك ودنياك وآخرتك.

رابعا: مسألة الحسن والقبح هي مسألة نسبية، فما تراه قبيحا قد لا يراه غيرك هكذا، والإنسان دائما بطبيعته يضخم أمورا سلبية في حياته قد لا يعدها الناس بمثل هذا التضخيم، ثم هناك أمر آخر يا أسامة يجب أن تنتبه له وهو أن الله يقدر لعبده الخير دائما، فمن عباد الله من ابتلاه الله بالمرض ولو رزق العافية لضل وفسد، فيبتليه الله لينجيه، ومنهم من يبتليه بالفقر لعلمه أنه لو اغتنى لهلك، فأقدار الله يا أخي لا تنفك عن حكمته ، والعاقل عليه التسليم لله حتى تستقيم حياته ويأخذ الأجر على مصابه، وهذا خيار العقلاء والصالحين؛ لأنه يعلم أن من رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط ولا يضر الله شيئا.

خامسًا: القدر أخي أسامة سر الله تعالى في خلقه، كما قال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.. فالله تعالى لم يكشف قدره على وجه التفصيل لأحد، بل هذا علمه عند الله، وما طوى الله عنا علمه من القدر فإن الخير في أن لا نبحث فيه، وفي الحديث الصحيح: إذا ذكر القدر فأمسكوا. رواه الطبراني وصححه الألباني

وأخيرا: أنت منعم عليك في أمور كثيرة فاحمد لله عليها، منها نعمة الله عليك بالإسلام وأكثر أهل الأرض حيارى لا يعرفون الحق، منعم عليك بالعافية وغيرك وأصغر منك سنا ربما مبتلى بالمرض المقعد، منعم عليك بأمور كثيرة يجب عليك ترديد ذلك في نفسك، والاصطلاح عليه في ذاتك، وعدم تضخيم ما ابتلاك الله به، مع الرضا التام والتسليم له سبحانه وتعالى فيم قدر وقضى، هذا هو طريق الرضا الذي به تحيا سعيدا وتحظى بالأجر ومحبة الله لك.

وختاما أسامة: الناس تراك من خلال ضعفك الداخلي أو قوتك وصلابتك، فإذا تغافلت واجتهدت في تقوية أخلاقك الحسنة وأمورك الحياتية مع سيرك للإمام وعدم التفاتك الى صغائر الأمور.

نعم، من اليوم يجب أن نعتقد أن مسألة الحسن والقبح الظاهر من صغائر الأمور التي لا تتوقف أنت عندها، وثق أن الله سيرضيك ويحفظك ويعوضك خيرا.

وتذكر أخي : أن من رضي فله الرضى.

نسأل الله أن يحفظك وأن يسعدك، وأن يقدر لك الخير حيث كان والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً