الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وساوس قهرية تؤثر على المزاج والدراسة .. التشخيص والعلاج

السؤال

السلام عليكم

قبل نحو خمس سنوات راودتني وساوس قهرية تمثلت: بعدّ عدد الحروف في أي كلمة أفكر فيها أو أسمعها، فأشعر بالفرح حين يكون عدد الحروف زوجياً، وأيضاً غسل اليدين بعدد زوجي من المرات، بل وأحياناً آكل عدداً زوجياً من الأشياء، ولا أعلم سببه!

الآن وأنا بعمر 19 عاماً، عادت وساوس العد من جديد، وذلك بعد شهر واحد من بداية دراستي خارج بلدي! وأيضاً تزامنت بعد وفاة والدي!

لا أعلم سبب هذه العادة التي غابت عني خمس سنوات، وعادت في هذه الفترة التي هي من أهم فترات حياتي، ألا وهي الدراسة.

أرجو منكم ومن خلال خبرتكم أن تشرحوا لي أسبابها وطرق علاجها.

لله الحمد، سيطرت على نسبة كبيرة من وسوسة تعداد الحروف، إلا أنها استبدلت بحالة خوف وقلق، بل وحتى اكتئاب شديد، جعلتني أرهب الدراسة والقراءة! ( يبدو أنه بسبب الخوف من عودتها) مما يؤثر على دافعيتي للدراسة والتي كانت مرتفعة ـ ولله الحمد ـ قبل بداية هذه الوساوس.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ وائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

إن ظاهرة عد الحروف في أي كلمة هي أحد مكونات الوساوس القهرية، والوساوس كما تعلم أيها الفاضل الكريم يمكن أن تكون فكرة أو نوع من النزعات أو الاندفاعات أو صورة ذهنية أو طقوس رتيبة يكررها الإنسان، ويؤمن الإنسان ويقتنع بأنها سخيفة، ولكنه يجد صعوبة كبيرة في ردها والتخلص منها، وغالباً تكون فكرة ملحة جدّاً ومستحوذة ومسيطرة على الإنسان، والوساوس حقيقة هي نوع من القلق النفسي الخاص، لذا تجد الوساوس دائماً مرتبطة بالقلق والخوف، وقد تؤدي إلى اكتئاب ثانوي، وهذا هو الذي حدث لك بالضبط.

الوساوس لا تسير على نمط أو وتيرة واحدة، فتشتد أحياناً وتخف أو تختفي في أحيان أخرى، ويعرف أن الوساوس أيضاً تُثار حين يكون الإنسان تحت ضغط نفسي، أو حتى الإجهاد الجسدي أو الظروف الاجتماعية الغير مواتية ربما تؤدي إلى ظهور هذه الوساوس.

أنت -أيها الفاضل الكريم- عاودتك هذه الوساوس بعد بداية الدراسة، وتزامنت كذلك بعد وفاة والدك عليه رحمة الله تعالى. هذه ظروف مفهومة، ومعروف أنها ربما تُثير الوساوس كما ذكرنا لك.

الوساوس ليست ضعفاً في الشخصية وليست قلة في الإيمان، وهي نوع من القلق النفسي كما ذكرت لك، وهذا النوع من الوساوس لا نعتقد أن له علاقة بالشيطان، هي حالة طبية، والوساوس التي لها علاقة بالشيطان أو تكون نوعاً من حديث النفس دائماً تستجيب للاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وهذا يكفي تماماً كنوع من العلاج، وأن يكون الإنسان حاضر الذهن في عبادته وتقواه.

أما بالنسبة لهذا النوع من الوساوس فلا شك أن الاستغفار والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم هي أمور مفيدة، لكن لابد أن يأخذ الإنسان الأدوية المضادة لهذا النوع من الوساوس.

وظيفة الأدوية مهمة جدّاً؛ لأنه توجد الآن نظريات جيدة ومعتبرة تشير أن الوساوس القهرية في الأصل تنتج من متغيرات كيميائية تحصل في الدماغ والمناطق التي يُعرف أن التغير فيها منطقة تسمى بنواة كوديت، وهي جزء من المنظومة التي تُعرف بالنواة القاعدية، والمادة التي يحدث فيها الاضطراب تعرف باسم (سيروتونين).

إذن أخي الكريم: من المنطق أن تكون الأدوية ضرورية ما دمنا نتكلم عن ظاهرة فسيولوجية وكيميائية، لذا أنصحك بتناول أحد الأدوية الجيدة والمفيدة والفاعلة جدّاً.

الدواء يعرف تجارياً باسم (بروزاك Prozac)، ويسمى علمياً باسم (فلوكستين Fluoxetine) يمكنك أن تبدأ في تناوله بجرعة كبسولة واحدة في اليوم، وقوة الكبسولة هي عشرون مليجرام، تناولها بعد الأكل، واستمر عليها لمدة شهرين، بعد ذلك ارفعها إلى كبسولتين في اليوم، واستمر عليها لمدة ستة أشهر، بعد ذلك خفضها إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة عام.

هذه المدة ليست مدة طويلة أبداً، حيث إن الدواء دواء سليم وبسيط، وجرعتك جرعة بسيطة وليست جرعة قصوى، ويعرف أن الحاجة للوقاية مهمة، لذا بعد أن تنتهي من الجرعة العلاجية وهي كبسولتين في اليوم، يجب أن تنتقل إلى الجرعة الوقائية كما أوضحت لك.

بجانب العلاج الدوائي عليك دائماً أن تحقر الفكرة الوسواسية، وكذلك الفعل الوسواسي، وحاول دائماً أن تركز وتدعم الفكرة أو الفعل النقيض لهذه الفكرة، فحين تأتيك فكرة عد الكلمات قل: (أنا لن أعد حروف الكلمة، ولكن سوف أقرأ الكلمة مرتين، أو سوف أدخلها في جملة)! وناقش نفسك وحاور نفسك: لماذا أتبع هذا النهج السخيف في أن أعد الحروف؟ هذا أخي الكريم يساعدك كثيراً، وأنا على ثقة تامة بأن دواء البروزاك سوف يقدم لك الكثير من الخير، وسوف تضعف هذه الأفكار وتنتهي إن شاء الله تعالى.

أما المزاج الاكتئابي فهو ثانوي، ويعرف أن الوساوس القهرية في حوالي خمسين إلى ستين بالمائة من الناس قد تؤدي إلى عسر مزاجي.

لا بد أن تدير وقتك بصورة صحيحة، فالواجبات أكثر من الأوقات، وأنت في بدايات الشباب وأمامك إن شاء الله فرصة طيبة وعظيمة لأن تستفيد من طاقاتكم النفسية والجسدية وذلك من أجل التميز والتفوق إن شاء الله تعالى.

الممارسة للتمرينات الرياضية مطلوبة جدّاً، ويعرف أن الرياضة تقوي النفوس قبل أن تقوي الأجسام.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً، ولا تنزعج أبداً فالوساوس القهرية الآن أصبحت تحت متناول العلاج تماماً.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً